ابراهيم بن عمر البقاعي

430

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان جنان الدنيا قد يكون فيها نكد ، أضاف هذه الجنة إلى المراد بهذه الجنان إعلاما بأنها لا تنفك عنه فقال : نَعِيمٍ * أي ليس فيها غيره بل هي مقصورة عليه وَأَمَّا إِنْ كانَ أي الميت منهم مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * أي الذين هم في الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة فَسَلامٌ أي سلامة ونجاة وأمر وقول دال عليه . ولما كان ما يواجه به الشريف من ذلك أعلى قال : لَكَ أي يا أعلى الخلق أو يا أيها المخاطب . ولما كان من أصاب السّلام على وجه من الوجوه فائزا ، فكيف إذا كان مصدرا للسلام ومنبعا منه قال : مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * أي أنهم في غاية من السلامة وإظهار السّلام ، لا يدرك وصفها ، وهو تمييز فيه معنى التعجيب ، فإن إضافته لم تفده تعريفا ، وفي اللام و مِنْ مبالغة في ذلك ، فالمعنى : فأما هم فعجبا لك وأنت أعلى الناس في كل معنى ، وأعرفهم بكل أمر غريب منهم في سلامتهم وسلامهم وتعافيهم وملكهم وشرفهم وعلو مقامهم ، وذلك كله إنما أعطوه لأجلك زيادة في شرفك لاتباعهم لدينك ، فهو مثل قول القائل حيث قال : فيا لك من ليل كأن نجومه * بكل مقار العمل شدت يذبل وقول القائل أيضا حيث قال : للّه در أنو شروان من رجل * ما كان أعرفه بالدون والسفل أي عجبا لك من ليل وعجبا من أنو شروان . ولما ذكر الصنفين الناجيين ، أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد لأن من أريدت له السعادة يكفيه ذلك ، ومن ختم بشقائه لا ينفعه ذلك الإغلاظ والإكثار فقال : وَأَمَّا إِنْ كانَ أي ذلك الذي أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تنقطع أكبادكم له ولا تقدرون له على شيء أصلا مِنَ الْمُكَذِّبِينَ . ولما كان المكذب تارة يكون معاندا ، وتارة يكون جاهلا مقتصرا ، قال : الضَّالِّينَ أي أصحاب الشمال الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها لتهاونهم في البعث فَنُزُلٌ أي لهم وهو ما يعد للقادم على ما لاح مِنْ حَمِيمٍ * أي ماء متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض كما يبادر به القادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * أي لهم بعد النزل أن يصلوا النار الشديدة التوقد صليا عظيما . ولما تم ما أريد من إثبات البعث على هذا الوجه المحكم البين ، وكانوا مع البيان يكذبون به ، لفت الخطاب عنهم إلى أكمل الخلق ، وأكد تسميعا لهم فقال سائقا له